ابن أبي الحديد

12

شرح نهج البلاغة

بلغ المسيل ، وطئ على جرف فزلت قدمه ، فهززت حربتي حتى رضيت منها ، فأضرب بها في خاصرته حتى خرجت من مثانته ، وكر عليه طائفة من أصحابه فأسمعهم يقولون : أبا عمارة ، فلا يجيب ، فقلت : قد والله مات الرجل ، وذكرت هندا وما لقيت على أبيها وعمها وأخيها ، وانكشف عنه أصحابه حين أيقنوا بموته ، ولا يروني فأكر عليه فشققت بطنه ، فاستخرجت كبده ، فجئت بها إلى هند بنت عتبة ، فقلت ماذا لي إن قتلت قاتل أبيك ؟ قالت : سلني ، فقلت : هذه كبد حمزة : فمضغتها ثم لفظتها ، فلا أدري : لم تسغها أو قذرتها ، فنزعت ثيابها وحليها فأعطتنيه ، ثم قالت : إذا جئت مكة فلك عشرة دنانير ، ثم قالت أرني مصرعه ، فأريتها مصرعه ، فقطعت مذاكيره وجدعت أنفه ، وقطعت أذنيه ، ثم جعلت ذلك مسكتين ( 1 ) ومعضدين وخدمتين ، حتى قدمت بذلك مكة وقدمت بكبده أيضا معها . قال الواقدي : وحدثني عبد الله بن جعفر ، عن ابن أبي عون ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار ، قال : غزونا الشام في زمن عثمان بن عفان ، فمررنا بحمص ( 2 ) بعد العصر ، فقلنا : وحشى ، فقيل لا تقدرون عليه ، هو الان يشرب الخمر حتى يصبح ، فبتنا من أجله ، وإننا لثمانون رجلا ، فلما صلينا الصبح جئنا إلى منزله ، فإذا شيخ كبير قد طرحت له زربية ( 3 ) قدر مجلسه ، فقلنا له : أخبرنا عن قتل حمزة وعن قتل مسيلمة ، فكره ذلك ، وأعرض عنه ، فقلنا : ما بتنا هذه الليلة إلا من أجلك . فقال : إني كنت عبدا لجبير بن مطعم بن عدي ، فلما خرج الناس إلى أحد دعاني فقال : قد رأيت مقتل طعيمة بن عدي ، قتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر ، فلم تزل نساؤنا في حزن

--> ( 1 ) المسكة ، بالتحريك : الأسورة . والمعضد : الدملج ، والخدمة ، بالتحريك : الخلخال . ( 2 ) حمص : مدينة معروفة في بلاد الشام . ( 3 ) الزريبة : النمرقة ، أو البساط الذي يتكأ عليه ، واحده زربي ، والجماعة زرابي .